أراك صباحاً..

شؤون ثقافية واجتماعية, وأشياء أخرى

سيرة ذاتية

ولد في كانون الأول.. “في فصل الخريف” يضيف قائلاً!

كان الخريف ممتداً, حسبما يرى, منذ مئات الأعوام حتى إشعار آخر.. يقول: “كل شيء كان وقتها ذابلاً, وجافاً, وميّتاً, وكانت الريح تعصف كل عدة أشهر مرّة, تؤجل الربيع سنوات طويلة أخرى

حين وُلد كان الغزاة ما زالوا في فلسطين, وكان العراق يدخل موسماً مأساوياً جديداً, وكان الموزاييك العربي متعقداً كما لم يكن من قبل, والعالم كان يُبنى من جديد على قطب واحد لا يسمع, وكانت الشعوب في سُبات سخيف, والعِلم هو المجرم المسؤول عن خراب كل شيء, والإنسان كان شائهاً, والطبيعة شائهة, والبيئة شائهة, والأرض والسماء والحقول والبحار, كل شيء كان شائهاً..

أمّا أمتي, فكانت –يا أعزك الله– تغوص في الوحل“…

“أكأبتنا! وما شأن هذه الأمور؟؟” سيصيح عليّ البعض.. اسمع: إنه شأنها, ليس شأنَ أمر سواها!

لم يعش تلك الطفولة السعيدة التي يحلم بها الصغار والكبار, كانت طفولته هائجة كعصره, لقد كان مشاكساً جداً, ولم يكن أحد يصبر على مداراته أو على نقاشاته الحادة.. تهمٌ عديدة وُجّهت إليه سابقاً, في المدرسة والعائلة والأصدقاء, ليس أولها الوقاحة ولا آخرها الجنون.. “بالنسبة لي لا يزعجني الناس, يزعجني حالهم, ووقاحتهم وجنونهم, وأشياء أخرى يعرفونها جيداً“.. هم سحبوا طبعاً معظم التهم عندما كبر, لكن يبدو أن تلك الأشياء ما زالت تزعجه.

لم يفهم الحقد أبداً, لا داعي له من وجهة نظره, وما زال يتمتع بقدرة هائلة على الهدوء وضبط النفس, “الأشياء المزعجة لا تثير الغضب, تثير الحزن أكثر“.. هو كثير الهموم, أدمن على الهموم اختياراً, وما زال يلاحقها ولا تلاحقه: “أستطيع التخلي عن همومي جميعاً, ما الفائدة؟.. أنا ممن يبحثون عن الهموم.. الهموم تجعلك إنساناً أكثر, كيف تكون إنساناً بلا هموم؟.. لا يمكن“.. لم يزل يبحث عن الهموم الجديرة به ليلزمها, ولم يزل يسخر من الهموم التافهة.

عَشِق المعرفة في وقت مبكر, لم يكن يعرف اسمها, لكنه كان يعرفها جيداً, ويعشقها جيداً: “أعشق المعرفة, ولا أحب القراءة, وأكره المدرسة” يصرّ على تلك الثلاثية.. كان يبحث عن طرق أخرى لاكتساب المعرفة, طرق لا تُجهد عينيه ولا تصرف فكره وخياله ولا تستهلك وقته, طرق تبتعد عن التلقين والملاحقة, وعن العلاقة التقليدية بين الكبير والصغير, وتؤمن له وجبات مشبعة من المعرفة.. “القراءة جيدة على أية حال“..

أدمن القراءة قبل دخول المدرسة, كان يقرأ أكثر مما يدرس, وهو يعتبر أن الدراسة في الأصل قراءة, قبل أن تتشوّه الأمور, وقبل أن يفضّل الناس الدراسة.. كان وما زال يكره المدرسة, “النظام التعليمي العربي؟ لا نظام ولا تعليم!!” مع أنه كان متفوقاً, وطالباً في ’مدرسة المتفوقين’, لكنه ينسب نفسه لتفوق نادر; تفوق العلم لا العلامة: “التفوق غير الأبله..

وُلد في دمشق, وفيها نشأ..

ليست دمشقَ الياسمين!“.. “يمكنك أن تبحث عن الياسمين في ثرثرة الكتب والدراما“.. يقصد الكتابات التي تغزلت بدمشق شعراً ونثراً, والمسلسلات التي دارت حولها, فدمشقه تختلف.. “الوحل يغمر حتى ذكريات الياسمين” يقولها بحرقة..

والمفارقة, أن الأمة التي ولدت أصلاً في السماء, كانت تغوص في الوحل حين أنجبتني!“.. إنه الخريف.. أدرك ذلك مبكراً, وعهد إلى نفسه أن ينتشل من الوحل أمته الغرقى

بعد سنوات, أدرك ما لم يكن يدرك, فأضاف: .. ما أمكن

لا لا, ليس تشاؤماً هذا, ولا كل ما سبق, إنما لا يمكن لعاقل أن يشهد المذبحة متفائلاً بالحياة!.. نعم إنها الحياة, لكنها المأساة حتى الآن: “الحياة لم تبتسم بعد.. فلنؤجّل بعض ضحكاتنا“, “.. حرامٌ على أنفسنا اليأس” يستدرك دائماً.

.. عهد إلى نفسه أيضاً تربية الزمان, وتعليمه كيف يسير سوياً, إنه قاسٍ قليلاً: “لئن لم يسر الزمان على قدميه كما يُرام, لأسيّرنّه على جبينه“..

وما زال, حلمه أن يسير كل شيء كما يُرام

من أجل الياسمين..

والربيع..

والأشياء الجميلة الأخرى.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 1,395 other followers